مَا أَحْسَنَ الإنْفَاقَ في سَبيلِ اللهِ

37

رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لِسَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ “إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بِهَا وَجْهَ اللهِ -أَيْ رِضَاهُ- إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَل في في امْرَأَتِكَالاّ أجرت عليها” أَيْ في فَمِهَا مِنْ نَحْوِ لُقْمَةٍ تُطْعِمُهَا بِيَدِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ.

وَفِي صَحيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ “لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون» قَامَ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكَانَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبَلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيها طَيِّبٍ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا رَسُولَ الله إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون» وَإِنَّ أَحَبَّ مَالي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ تعالى أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ تعالى فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عليه وسلم “بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ». وَبَخٍ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِتَفْخِيمِ الأَمْرِ وَالإعْجَابِ بِهِ.

وَفي صَحيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال “مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الْفَتْحِ: “وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِهِ فَوَاتُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِالتَّشَاغُلِ بِغَيْرِهَا».

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال “الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ» مَعْنَى قَوْلِه ِعَلَيْهِ السَّلامُ “الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» الصَّدَقَةُ خَيْرٌ مِنَ الشَّحَاذَةِ.

قَالَ اللهُ تعالى “وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ» وَقَالَ تعالى “وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون».

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال “اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» مَعْنَاهُ مَنْ تَصَدَّقَ لِوَجْهِ اللهِ مِنْ مَالٍ حَلالٍ وَلَوْ بِبَعْضِ تَمْرَةٍ قَدْ يُعْتِقُهُ اللهُ مِنْ النَّارِ بِذَلِكَ.

وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ “مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيْئًا قَطُّ فَقَالَ لا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ “مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ في صَحيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال “بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحَابَةٍ اسْقِ حَديقَةَ فُلانٍ فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ في حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلانٌ لِلاسْمِ الَّذي سَمِعَ في السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُني عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحَابِ الَّذي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيها فَقَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَءاكُلُ أَنَا وَعِيالي ثُلُثَهُ وَأَرُدُّ فِيها ثُلُثَهُ». أَمَّا الصَّوْتُ الَّذي سَمِعَهُ فَهُوَ صَوْتُ مَلَكٍ، وَالْحَديقَةُ هِيَ الْبُسْتَانُ، وَالْحَرَّةُ هِيَ الأَرْضُ الْمُلَبَّسَةُ حِجَارَةً سَوْدَاءَ، وَالشَّرْجَةُ هِيَ مَسِيلُ الْمَاءِ، وَالْمِسْحَاةُ الْمَجْرَفَةُ مِنْ حَديدٍ.

وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضي الله عنهُ قال قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم “مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ –أَي حَلالٍ- وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلاّ الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللهُ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ –وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجِهَةَ أَوِ الْجَارِحَةَ- ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مَعْنَى الْحَديثِ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَالٍ حَلالٍ وَاللهُ لا يَقْبَلُ إِلا الْحَلالَ فَإِنَّ اللهَ تعالى يَتَقَبَّلُ ذَلِكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مُخْلِصًا في نِيَّتِهِ، فَالمراد يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ الْكِنَايَةُ عَنِ الْقَبُولِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُرَبِّيها أَيْ يُضَاعِفُهَا، وَالْفَلُوُّ هُوَ الْمُهْرُ وَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ فَلَى عَنْ أُمِّهِ أَي فَصَلَ.