الحجاب طاعة و إرتقاء لا تخلف ووباء

139

إن تعاليم الدين الإسلامي وتكاليفَه الشرعية جميعها يسر لا عسرَ فيها، قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقال: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:232]. فهذه الآيات صريحة في التزام مبدأ التخفيف والتيسير على الناس في أحكام الشرع.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا) ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا).

فالشرع لا يقصد أبدًا إعنات المكلَّفين أو تكليفهم بما لا تطيقه أنفسهم، فكلّ ما ثبت أنه تكليف من الله للعباد فهو داخلٌ في مقدورهم وطاقتهم.

يدّعي بعض دعاة السفور و التعري من ماسونيين و علمانيين و غيرهما من الفرق التي اما تريد شراً بالإسلام أو تريد زيادة فلسفة التطور الـ لا أخلاقي على الدين بحيث يدعون أنّ الحجاب تزمّت في الدين، والدين يسر لا تزمّتَ فيه ولا تشدّد، وإباحة السفور مصلحةٌ تقتضيها مشقّة التزام الحجاب في عصرنا و أن الحجاب هو من عادات الجاهلية لا من عادات المسلمين.

فيقول البعض إن الحجاب كان من عادات العرب في الجاهلية، لأنّ العرب طبِعوا على حماية الشّرف، ووأدوا البنات خوفًا من العار، فألزموا النساء بالحجاب تعصبًا لعاداتهم القبلية التي جاء الإسلام بذمّها وإبطالها، حتى إنّه أبطل الحجاب، فالالتزام بالحجاب رجعية وتخلّف عن ركب الحضارة والتقدم.

فنقول نحن إن الحجاب الذي فرضه الإسلام على المرأة لم يعرفه العرب قبل الإسلام، صحيح أن الإسلام أتى فأبطل عادات ذميمة للعرب، ولكن بالإضافة إلى ذلك كانت لهم عادات جميلة أقرّها الإسلام فلم يبطلها ككشف الوجه و اليدين وجواز خروج المرأة بإذن ولي أمرها أو زوجها، وإكرام الضيف والجود وغير ذلك.

وكان من ضمن عادات الجاهلية الذميمة خروج النساء متبرّجات بنية إفتان الرجال – لأن المرأة إذا خرجت متعطرة متزينة لا بنية فتنة الرجال و لفت إنتباههم فهذا ليس محرماً -كاشفات الأعناق، باديات مفاتنهن، ففرض الله الحجاب على المرأة بعد الإسلام لترتقي به وتصونَ كرامتها، ويمنع عنها أذى الفسّاق والمغرضين.

إذا كانت النساء المسلمات راضياتٍ بلباسهن الذي لا يجعلهن في زمرة الرجعيات والمتخلفات فما الذي يضير التقدميين في ذلك؟! وإذا كنّ يلبسن الحجاب ولا يتأفّفن منه فما الذي حشر التقدميين في قضية فردية شخصية كهذه؟! ومن العجب أن تسمع منهم الدعوةَ إلى الحرية الشخصية وتقديسها، فلا يجوز أن يمسّها أحد، ثم هم يتدخّلون في حرية غيرهم في ارتداء ما شاؤوا من الثياب.

إنّ التخلف له أسبابه، والتقدم له أسبابه، وإقحام شريعة الستر والأخلاق في هذا الأمر خدعة مكشوفة، لا تنطلي إلا على متخلّف عن مستوى الفكر والنظر، ومنذ متى كان التقدّم والحضارة متعلّقَين بلباس الإنسان؟! إنّ الحضارة والتقدم والتطور كان نتيجةَ أبحاث توصَّل إليها الإنسان بعقله وإعمال فكره، ولم تكن بثوبه ومظهره.

و يزعم البعض فيقول بهذه المقولة: «تبدل الأحكام بتبدّل الزمان».

نحن نقول لا ريب أن هذا الكلام لو كان مقبولاً لاقتضى أن يكون مصير شرعية الأحكام كلها رهنًا بيد عادات الناس وأعرافهم وتقاليدهم، وهذا لا يمكن أن يقول به مسلم عارف بالدين و أحكامه.

احتجّ أعداء الحجاب بأن في شهيرات النساء المسلمات على اختلاف طبقاتهن كثيرًا ممن لم يرتدين الحجاب ولم يتجنّبن الاختلاط بالرجال.
وعمد المروجون لهذه الشبهة إلى التاريخ وكتب التراجم، يفتشون في طولها وعرضها وينقبون فيها بحثًا عن مثل هؤلاء النساء حتى ظفروا بضالتهم المنشودة ودرتهم المفقودة، فالتقطوا أسماء عدد من النساء لم يكن يبالين ـ فيما نقلته الأخبار عنهن ـ أن يظهرن سافرات أمام الرجال، وأن يلتقين معهم في ندوات أدبية وعلمية دونما تحرز أو تحرج.

ولكن من المعلوم والمتقرر شرعا أن الأدلة الشرعية التي عليها تبنى الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فضمن أيّ مصدر من مصادر التشريع تندرج مثل هذه الأخبار، خاصة وأنّ أغلبها وقع بعد من التشريع وانقطاع الوحي؟!

وإذا علِم أن أحكام الإسلام إنما تؤخذ من نص ثابت في كتاب الله تعالى أو حديث صحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قياس صحيح عليهما أو إجماع التقى عليه أئمة المسلمين وعلماؤهم لم يصحّ حينئذ الاستدلال بالتصرّفات الفردية من آحاد الناس أو ما يسمّيه الأصوليون بـ”وقائع الأحوال”، فإذا كانت هذه الوقائع الفردية من آحاد الناس لا تعتبر دليلاً شرعيًا لأيّ حكم شرعيّ حتى لو كان أصحابها من الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين من بعدهم فكيف بمن دونهم؟!

بل المقطوع به عند المسلمين جميعًا أن تصرفاتهم هي التي توزن ـ صحة وبطلانًا ـ بميزان الحكم الإسلامي، وليس الحكم الإسلامي هو الذي يوزن بتصرفاتهم ووقائع أحوالهم، وصدق القائل: لا تعرف الحقّ بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.

ولو كان لتصرفات آحاد الصحابة أو التابعين مثلاً قوة الدليل الشرعي دون حاجة إلى الاعتماد على دليل آخر لبطل أن يكونوا معرّضين للخطأ والعصيان، ولوجب أن يكونوا معصومين مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا لأحد إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما من عداهم فحقَّ عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل بني آدم خطاء))، وإلاّ فما بالنا لا نقول مثلاً: يحل شرب الخمر فقد وجِد فيمن سلف في القرون الخيِّرة من شربها؟!

و أما الأدلة على وجوب الحجاب فهي الآتية ذكرها:

← قوله تعالى :«وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن».

← وقوله تعالى :«وَقُل للمُؤمِنَاتِ يَغضُضنَ مِن أَبصَارِهِن وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُن وَلاَ يُبدِينَ زِينَتَهُن إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِن عَلَى جُيُوبِهِن وَلاَ يُبدِينَ زِينَتَهُن إلى قوله: وَلاَ يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِن لِيُعلَمَ مَا يُخفِينَ مِن زِينَتِهِن وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيهَا المُؤمِنُونَ لَعَلكُم تُفلِحُونَ [النور:30]».

← قالت عائشة رضي الله عنها: {يرحم الله نساء المهاجرات الأُول؛ لما أنزل الله: وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِن عَلَى جُيُوبِهِن شققن مروطهن فاختمرن بها } [رواه البخاري].

← وقوله تعالى:«وَالقَوَاعِدُ مِنَ النسَاء اللاتي لاَ يَرجُونَ نِكَاحاً فَلَيسَ عَلَيهِن جُنَاحٌ أَن يَضَعنَ ثِيَابَهُن غَيرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَستَعفِفنَ خَيرٌ لهُن وَاللهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ [النور:60]».

← قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل وصف فيه ما رآه في جهنم ليلة إسرائه إلى السماء: «رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها». ولما سألته الزهراء عليها السلام عنها قال صلى الله عليه وآله:«إنها كانت لا تغطي شعرها من الرجال»

← في الصحيحين أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، احجب نساءك. قالت عائشة: فأنزل الله آية الحجاب. وفيهما أيضاً: قال عمر: يا رسول الله، لو أمرتَ أمهات المؤمنين بالحجاب. فأنزل الله آية الحجاب.

← عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: {من جرَّ ثوبه خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة } فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: {يرخين شبراً} فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: {فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه} [رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح]

وإذا قلبنا صفحات التاريخ نسائله عن آراء مجتهدينا وفقهائنا فإننا سنرى فيه حقيقة واضحة جلية… ألا وهي أن جميع الفقهاء المجتهدين من عصر الرسول والصحابة و التابعين … إلى الآن ، طيلة خمسة عشر قرنا من الزمان قالوا بأنه على المرأة أن تغطي جميع جسمها ما عدا الوجه والكفين.

ولم يذهب الفقهاء إلى هذا الإجماع إلا عن أدلة رصينة محكمة تؤكد هذا الحكم وتوجبه كوضوح الشمس.

فإن أتى أحدهم و قال بغير ذلك فهو جاهل لم يدرس الموضوع جيداً أو يريد فقط التشويش على المسلمات .فلا يقبل العقل أن يأتي أحد و يقول : اكتشفت ما لم يكتشفه أحد من عشرات الآلاف من الفقهاء على مر الدهر.

فموضوع الحجاب ليس اكتشاف علمي أو اختراع آلي. إنما الموضوع يتعلق بآيات وأحاديث موجودة من أكثر من 1400 سنة من أيام الرسول و الكل يعرفها ويعرف معناها والنساء المؤمنات يلتزمن بها من ذلك الوقت إلى الآن. ففي الصلاة كل النساء من أيام الرسول إلى الآن يغطين عورتهن (كل شيء إلا الوجه و الكفين) .فالكل يعرف أن كشف العورة يبطل الصلاة.

فمن المضحك المبكي إن أتى أحد و قال أن الشعر أو العنق أو البطن مثلاً ليس من عورة النساء ولم يأمر الله بتغطيته. فلماذا تغطيه النساء أثناء الصلاة !؟؟!؟!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (صنفان من أهل النار…. نساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة [تصفف الشعر فيصبح كسنام الجمللا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).

إن تحجبت فتاة حجاب غير كامل، فمثلاً غطت شعر رأسها و أظهرت عنقها و أذنيها كما يفعل البعض في هذا الزمان, فنحن نشجعها أن تكمل حجابها ليكون كما أمرها الله ورسوله وليس كما تريده هي.

وإن تحجبت فتاة حجاباً كاملاً كما أمرها الله و رسوله فهذا لا يعني أيضاً أن تغتر بنفسها و تعتقد أنها أكملت دينها و ترتكب معاصي من وجوه أخرى, بل بارك الله بها بأنها سترت عورتها و عليها أن تبادر بنصح غيرها من النساء اللواتي لم يسترن عوراتهن و لا تتكبر أو تنفرهن

فعللينا جميعاً ألا ننسى اهتمام الإسلام الشديد بأفعال القلب:

مثل الصدق والتواضع وسلامة الصدر والرضا والتوكل على الله و إرادة الهداية للجميع و حب الخير لكل الناس والابتعاد عن الغيبة و النميمة و الشتيمة والفحش في القول والعمل, و أيضاً الأهم و الأهم هو الإعتقاد الجازم في القلب بأن دين الإسلام هو دين جميع الأنبياء و أن موسى ليس كما يدّعي اليهود و أن عيسى ليس كما يدّعي النصارى, كلهم أتوا بدين واحد وهو الدين الذي يقول أن الله واحد في ملكه خلق العالم بأسره لا يحتاج إلى شيء من خلقه كالعرش أو المكان أو الزمان, و أن الله منزّه عن مشابهة خلقه فلا يجوز اعتقاد أن الله جالس على العرش أو أنه يتحيز في المكان أو يجري عليه زمان أو أنه جسم.. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, بل الله ليس كمثله شيء موجود لا كالموجودات , مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك, الله لا يمكن تخيله لأنه لا يشبهنا, و معرفة الله تكون بالإيقان أنه موجود بلا مكان و بلا زمان.

بالإضافة إلى أفعال الجوارح

كالصلاة والصوم وغض البصر والحج والعمرة والتصدق … الخ. فهذه أوامر أيضاً أمرنا الله بها كما أمر النساء بالحجاب وعلينا الالتزام بها إن شاء الله.