ضروريات الإعتقاد: الشهادة الثانية وركائز الإيمان

26

ومعنى أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله [أعلمُ وأعتقدُ وأعترفُ] أنَّ محمدَ بنَ عبدِ الله بنِ عبد المطلبِ ابن هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيَّ صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسولُهُ إلى جميع الخلق، [ويتبعُ ذلك اعتقادُ أَنَّه] وُلِدَ بمكّةَ وبُعثَ بها وهاجرَ إلى المدينةِ ودفنَ فيها، و[يتضمّنُ ذلك] أَنَّه صادقٌ في جميعِ ما أخبَرَ بهِ [وبلَّغَهُ عن الله ] فمن ذلك: عذابُ القبرِ ونعيمُهُ وسؤالُ الملكين منكرٍ ونكيرٍ والبعثُ والحشرُ والقيامةُ والحسابُ والثوابُ والعذابُ والميزانُ والنارُ والصِّراطُ والحوضُ والشفاعةُ والجنّةُ والرؤيةُ لله تعالى [بالعين في الآخرة بِلا كيفٍ ولا مكانٍ ولا جهةٍ كما يُرى المخلوق]، والخلودُ [فيهما]. [والإِيمانُ] بملائكةِ الله ورسلِهِ وَكُتُبِهِ وبالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ وأَنَّه صلى الله عليه وسلم خاتمُ النبيّين وسيدُ ولد ءادمَ أجمعينَ.

الشرح: معنى أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله أعلم وأعتقد وأصدِّق وأؤمن بأنّ نبيّنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطلبِ عبدُ الله ورسوله إلى كافة الخلق، والمُراد بالخلق هنا الإِنس والجنّ، قال تعالى: {ليكون للعالمين نذيراً} [سورة الفرقان] إذْ هذا الإنذار للإنس والجنّ فقط لا دخول للملائكة فيه لأنهم مجبولون على طاعة الله فلا يحتاجون إلى إنذارٍ، وأمّا من قبله من الأنبياء فلم يكن مرسلًا إلى الإنس والجن، فالإيمان برسالة سيِّدنا محمّد هو أصل معنى الشهادة الثانية، لكنها تتضمّن مسائل كثيرة وتتبعها أحكام عديدة منها:

* كونه من قريش وهم أشرف قبائل العرب لهم الصدارة بين العرب.

* ووجوب معرفة أنّه صلى الله عليه وسلم وُلِد بمكّة وبُعث أي نزل عليه الوحي بالنّبوة وهو بها ثم هاجر إلى المدينة، وأنّه مات في المدينة فدُفِنَ فيها.

* وأنّه صادقٌ في كل ما أخبر بهِ عن الله تعالى سواء كان من أخبار من قبله من الأمم والأنبياء وبدءِ الخلق، أو من التحليل أو التحريم لبعض أفعال وأقوال العباد، أو مما أخبر به مما يحدث في المستقبل في الدنيا وفي الآخرة، فمن ذلك:

1 – الإِيمان بعذاب القبر، ومن عذاب القبر عرض النار على الكافر كل يوم مرتين مرةً أوّل النهار ومرةً ءاخر النهار يتعذَّب بنظره ورؤيتهِ لمقعدِه الذي يقعده في الآخرة، وتضييقُ القبر عليه حتى تختلف أضلاعه، وضرب منكرٍ ونكير له بمطرقة بين أذنيه؛ ويشمل ذلك ما يحصل لبعض عُصاة المسلمين لا لجميعهم ممَّا هو دون ما يحصل للكافر كضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه، والانزعاج من ظلمةِ القبر وَوَحشته.

2 – والإِيمان بنعيم القبر فإِنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك أيضًا، ومنه توسيع القبر سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا على المؤمن التَّقيّ ومَن شاء الله له من غير الأتقياء كبعض الشهداء ممَّن استشهدوا ولم يكونوا أتقياء، وتنويره بنورٍ يشبه نور القمر ليلة البدر، وغيرُ ذلك كشمّ رائحة الجنّة.

3 – والإِيمان بسؤال الملكين منكرٍ ونكير، وهو يحصل للمؤمن والكافر من هذه الأمة أي الذين أُرسل إليهم محمّد ويقال لهم: أمّة الدعوة، والذين ءامنوا منهم يُقال لهم: أمّة الإجابة. ثمَّ المؤمن الكامل لا يلحقه فزعٌ ولا انزعاج من سؤالهما لأنَّ الله يُثَبِّتُ قلبَهُ فلا يرتاع من منظرهما المخيف لأنهما كما جاء في الحديث أسودان أزرقان؛ ويُستثنى من هذا السؤال الطفل والشهيد وكذلك الأنبياء. والمُراد بالطفل من مات دون البلوغ.

4 – والإِيمان بالبعث وهو خروج الموتى من القبور بعد إعادة الجسد الذي أكله التراب إن كان من الأجساد التي يأكلها التراب وهي أجساد غير الأَنْبياء وشهداء المعركة، وكذلك بعض الأَولياء لا يأكل الترابُ أجسادهم لما تواتر من مشاهدة ذلك. ومنهم عبد الله بن عمرو والد جابر وكثير غيره من السلف، وممن بعد السلف الحافظ أبو عمرو بن الصلاح فقد حدّثني الشيخ سهيل الزبيبي عن عبد المتعال الحفار الدمشقيَّين أنه شاهد جثّة الحافظ ابن الصلاح صحيحة لم يتغيّر منها شىء وقد مضى على وفاته أكثر من ثمانمائة سنة.

5 – والإِيمان بالحشر وهو أن يُجْمَعُوا بعدَ ذلك إلى مكانٍ.

6 – والإِيمان بالقيامة وأوّلها من خروج النّاس من قبورهم إلى استقرار أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار، وقد تُطلَق الآخرة على ذلك وعلى ما بعدَه إلى ما لا نهاية لَهُ.

7 – والإِيمان بالحسَاب وهو عرض أعمال العباد عليهم، والثواب والعذاب. أَمَّا الثواب فهو الجزاء الذي يُجازاه المؤمنُ في الآخرة ممَّا يسرُّهُ. وأمَّا العذاب فهو ما يسوء العبدَ ذلك اليوم من دخول النار وما دون ذلك.

8 – والإِيمان بالميزان أي ما يوزن عليه الأعمال، فالكافر ليسَ له حسناتٌ يوم القيامة إنَّما توضَع سيئاته في كفّة من الكفتين، وأَمَّا المؤمن فتوضَع حسناته في كفّة وسيئاته في الكفّة الأخرى.

9 – والإِيمان بالنار أي جهنم أي بأنَّها مخلوقةٌ الآن ولا تزال باقية إلى ما لا نهاية له، هذا مذهب أهل الحقّ، وليس الأَمر كما يقول ابن تيمية: إنَّها تفنى لا يبقى فيها أحدٌ، وقد قال قبل ذلك في كتابه منهاج السُّنّة النبويّة: اتّفق المسلمون على بقاء الجنّة والنار وخالف في ذلك جهم بن صفوان فكفّره المسلمون، وللإِمام السُّبكيّ ردٌّ على ابن تيمية سمَّاه: (الاعْتِبَار ببَقَاءِ الجنَّةِ والنَّار).

10 – والإِيمان بالصراط وهو جسرٌ يمدُّ على ظهر جهنَّم فَيَرِدُهُ الناسُ، أحد طرفَيْهِ في الأرض المبدَّلة والطرف الآخر فيما يَلي الجنّة بعد النار فيمرُّ الناس فيما يسامتُ الصِّراط. فالمؤمنون على قسمين:

قسمٌ لا يدوسون الصِّراط إِنَّما يمرّون في هوائه طائرين، وهؤلاء يَصدُق عليهم أنّهم وردوها لأنه ليس من شرط الورود المذكور في القرءان بقوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} [سورة مريم] دخولُها.

وقسم يدوسونه، ثم هؤلاء قسمٌ منهم يُوْقَعون فيها وقسمٌ ينجيهم الله فيخلصون منها.

11 والإِيمان بالحوض وهو مكانٌ أَعَدَّ الله فيه شرابًا لأَهل الجنّة يشربونَ منه قبل دخول الجنّة فلا يصيبهم بعد ذلك ظمأٌ، وإنما يشربون من شراب الجنّة تلذّذًا.

12 – والإِيمان بالشفاعة وهي تكون للمسلمين فقط، فالأَنبياء يشفعون وكذلك العلماءُ العاملون والشهداءُ والملائكة.

13 – والإِيمان بالجنَّة وهي دار السلام.

14 – والإِيمان بالرؤية لله تعالى بالعين في الآخرة بأنّها حقٌّ، وهذا خاصٌّ بالمؤمنين يرونه وهم في الجنّة بِلا كيفٍ ولا تشبيه ولا جهة، أي أنّه تعالى لا يكون في جهة ولا مكان إِنَّما هم في مكانهم في الجنّة، رؤية لا يكون عليهم فيها اشتباه لا يشكّون هل الذي رأوه هو الله أم غيره كما لا يشكّ مبصِرُ القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب أَنَّ الذي رءاه هو القمر. ففي ذلك قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم : “إِنَّكم سترون ربَّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تَضامُّون في رؤيته” _ رواه مسلم _ وروي: “لا تُضَامُونَ”. شبَّه رُؤْيَتَنَا له من حيثُ عدم الشَّك برؤية القمر ليلة البدر، ولم يشبِّه الله تعالى بالقمر كما يزعم بعض الجُهّال فإنهم إذا ذُكِرَ لهم هذا الحديث يتوهّمون أنَّ الله يشبهُ القمر وقد صرَّحَ بعضُ العوامّ بذلك.

15 – والإِيمان بالخلود فيهما، فيجب الإِيمان بأنَّ أهل الجنّة يخلدون في الجنّة وأهل النار يخلدون فيها، لا موت بعد ذلك.

16 – والإِيمان بملائكة الله أي بوجودهم، وأنّهم عبادٌ مكرمون.

17 – والإِيمان برسله أي أنبيائه من كان رسولاً ومن لم يكن رسولاً، فالنَّبيُّ غير الرَّسول هو إنسان أُوحيَ إليه لا بِشَرعٍ جديد بل أُوحيَ إليه باتِّباع شرع الرَّسول الذي قبله وأن يبلّغ ذلك، والرَّسول مَن أُوحيَ إِليه بشرع جديد أُمِر بتبليغه، ومن الغلط الشنيع ما ذكره بعض العلماء أنَّ النبيّ من أوحيَ إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. وأوّل من أُرسل إلى الكفّار سيدنا نوحٌ عليه السلام، وقد صحّ أنّه أوّل الرُّسل إلى أهل الأرض أي بعد حدوث الكفر بين البشر وليس معناه أنّه لم يكن قبله نبيّ ولا رسول بل كان ءادم نبيًّا رسولا، أما نبوّتُهُ فيشهد لذلك حديث الترمذي: “ءادم فمن سواه من الأنبياء تحت لوائي يوم القيامة” حسّنه الترمذي، فمن نفى نبوته فهو كافر بالإجماع كما في مراتب الإجماع.

18 – والإِيمان بالكتب، وهي كثيرة لكن أشهرها هؤلاء الأَربع التوراة والإنجيل والزّبور والفُرْقان. قال وهب بن منبِّه: قرأتُ سبعين كتابًا مما أنزل الله.

19 – والإِيمان بالقدر خيره وشرّه، ومعنى ذلك أن كل ما دخل في الوجود من خيرٍ وشر هو بتقدير الله الأَزلي فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبَّته ورضاه، والشرّ من أعمال العباد بتقدير الله لا بمحبَّته ورضاه قال تعالى : {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [سورة الأنفال].

قال ابن عبّاس: يحول بين الكافر والإِيمان، وبين المؤمن والكفر. روى ذلك البيهقي في كتاب القَدَر والحاكم في المستدرك.

وقد ورد في حديث جبريل الصحيح المشهور لفظ: “والقدر خيره وشرّه” رواه مسلم، وفي لفظ: “والقدر كلّه”.

ويناسب هنا إيراد عبارة البيهقي في كتابه القضاء والقدر من حديث عليّ ابن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَن سرَّه أن يمُدَّ الله في عُمُره ويوسّع له رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتّق الله وليصل رحمه”