ضروريات الإعتقاد : الأنبياء

59

يجبُ اعتقادُ أَنَّ كلَّ نبيٍّ منْ أنبياءِ الله يجبُ أَنْ يكونَ متّصفًا بالصدقِ والأمانةِ والفطانةِ، فيستحيلُ عليهم الكذبُ والخيانةُ والرذالةُ والسفاهةُ والبلادةُ؛ وتجبُ لهم العصمةُ منَ الكفرِ والكبائرِ وصغائرِ الخسَّة قَبلَ النبوّة وبعدَهَا، ويجوزُ عليهِم ما سوى ذلكَ مِنَ المعاصي لكنْ يُنبّهونَ فورًا للتوبةِ قبلَ أن يقتديَ بهمْ فيها غيرُهُمْ. فمِنْ هنا يعلمُ أن النبوّةَ لا تصحُّ لإِخوةِ يوسفَ الذينَ فعلوا تلكَ الأفاعيلَ الخسيسةَ وهمْ مَنْ سوى بِنيامينَ. والأسباطُ الذينَ أنزلَ عليهمُ الوحيُ همْ مَنْ نُبِّىءَ منْ ذريتِهِمْ.

الشرح: الأنبياء يجب لكلّ منهم أن يكونَ بهذه الأخلاق وهي:

الصدق: فيستحيل عليهم الكذب لأَنَّ ذلك نقصٌ ينافي منصب النبوّة.

والأمانة: فينتفي عنهم التلبّس بالكفر قبل النبوّة وبعدها، وكذلك التلبّس بالكبيرة، وكذلك التلبّس بالصغيرة التي فيها خَسَاسةٌ ودناءة كسرقة حبّة عنب، فإن هذه صغيرة لكنها تدل على دناءة نفسٍ، ويستحيل عليهم التلبّس بالرذالة كائنة ما كانت، ويستحيل عليهم صفة السفاهة.

والفطانة: فيستحيل عليهم الغباوة لأَنَّ الغباوة تنافي مَنْصِبَهُم، لأنهم لو كانوا أغبياء لنفر منهم الناس لغباوتهم والله حكيم لا يفعل ذلك، فإِنَّهم أرسلوا ليبلّغوا الناسَ مصالح ءاخرتهم ودنياهم، والبلادة تنافي هذا المطلوب منهم.

وأمّا ما ورد في أمر إبراهيم في القرءان الكريم أنّه قال: {بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانول ينطقون} [سورة الأنبياء] فليس هذا كذبًا حقيقيًّا بل هذا صدقٌ من حيث الباطن والحقيقة لأَنَّ كبير الأصنام هو الذي حمله على الفتك بهم أي الأصنام الأخرى من شدّة اغتياظه منه لمبالغتهم في تعظيمه بتجميل هيأته وصورته، فحمله ذلك على أن يكسِّر الصغار ويهينَ الكبير، فيكون إسناد الفعل إلى الكبير إسنادًا مجازيًّا فلا كذب في ذلك.

وأمَّا قوله عن الكوكب حين رءاه: {هذا ربي} [سورة الأنعام] فهو على تقدير الاستفهام الإِنكاري فكأَنَّه قال: أَهذا ربِّي كما تزعمون، ثم لمَّا غابَ قال:{لا أحب الآفلين} [سورة الأنعام] أي لا يصلح أن يكون هذا ربًّا فكيف تعتقدون ذلك، ولما لم يفهموا مقصوده بل بقوا على ما كانوا عليه قال حينما رأى القمر مثل ذلك، فلما لم يجد منهم بغيته أظهر لهم أنّه بريء من عبادته وأنّه لا يصلح للربوبيّة، ثم لما ظهرت الشمس قال مثل ذلك فلم يرَ منهم بُغْيَتَه، فَأَيِسَ منهم فأظهر براءته من ذلك؛ وأمَّا هو في حدِّ ذاته كان يعلم قبل ذلك أنَّ الربوبيّة لا تكون إلا لله بدليل قوله تعالى: {ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل} [سورة الأنبياء] فلذلك لا تصحّ النبوّة لإِخوة يوسف الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة من ضربهم يوسف ورميهم له في البئر ونحو ذلك وهم من عدا بنيامين.

وأمّا الأَسْباط الذين ذكرهم الله في القرءان فهم ذرية هؤلاء لأنَّ منهم مَن أوتيَ النبوة