ضروريات الإعتقاد: القضاء والقدر

45

الإِيمان بالقدر خيره وشرّه، ومعنى ذلك أن كل ما دخل في الوجود من خيرٍ وشر هو بتقدير الله الأَزلي فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبَّته ورضاه، والشرّ من أعمال العباد بتقدير الله لا بمحبَّته ورضاه قال تعالى : {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [سورة الأنفال].
قال ابن عبّاس: يحول بين الكافر والإِيمان، وبين المؤمن والكفر. روى ذلك البيهقي في كتاب القَدَر والحاكم في المستدرك.
وقد ورد في حديث جبريل الصحيح المشهور لفظ: “والقدر خيره وشرّه” رواه مسلم، وفي لفظ: “والقدر كلّه”.
ويناسب هنا إيراد عبارة البيهقي في كتابه القضاء والقدر من حديث عليّ ابن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَن سرَّه أن يمُدَّ الله في عُمُره ويوسّع له رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتّق الله وليصل رحمه”.

قال الشيخ (يعني البيهقي): وتفسير ذلك وما قبله في قول ابن عبّاس أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي قالا: حدَّثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن عبيد الله بن المنادي حدَّثنا شجاع بن الوليد حدَّثنا أبو سلمة عمرو بن الجون الدالاني عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: “إن الحذر لا يغني من القدر، وإنَّ الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر”. اهـ.
وحدَّثنا أبو عبد الله الحافظ حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ حدَّثنا حامد بن محمود حدَّثنا إسحق بن سليمان الرازي حدَّثنا حنظلة عن طاوس عن ابن عبّاس قال: “لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله عزَّ وجلّ يمحو بالدعاء ما شاء من القدر”. انتهى.

وحدَّثنا أبو عبد الله الحافظ حدَّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب حدَّثنا محمّد بن إسحق الصغاني حدَّثنا روح بن عبادة حدَّثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عكرمة عن ابن عبّاس في قول الله عزَّ وجلَّ:{ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [سورة الرعد] قال: يمحو الله ما يشاء من أحد الكتابين، هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت {وعنده أم الكتاب} أي جملة الكتاب. انتهى.

قال الشيخ: والمعنى في هذا أنَّ الله جلَّ ثناؤه قد كتب ما يصيب عبدًا من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك، وأنّه إن دعا الله تعالى أو أطاعه في صِلة الرحم وغيرها لم يصبه ذلك البلاء ورزقه كثيرًا وعمّره طويلاً وكتب في أمّ الكتاب ما هو كائن من الأمرين، فالمحو والإِثبات يرجع إلى أحد الكتابين كما أشار إليه ابن عبّاس. والله أعلم.

وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن كامل القاضي أخبرنا محمّد ابن سعد العوْفي حدَّثنا أبي حدَّثنا عمّي قال: حدّثني أبي عن أبيه عطيّة عن ابن عباس في قوله: { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} قال: هو الرَّجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو؛ والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله فهو الذي يثبت.

قال الشيخ: وقد دلَّ بعض ما مضى من السُّنن أنَّ الواحد منّا قد يعمل زمانًا بمعصية الله ثم يُختم له بعمل أهل الجنّة، ويعمل الآخر زمانًا بطاعة الله ثم يُختم له بعمل أهل النار فيرجع كل واحد منهما إلى ما سبق من علم الله فيهما فيحتمل أن يكون المحو والإِثبات راجعين إلى عملهما. والله أعلم.

وأمَّا ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني محمّد بن إسمعيل السكري حدَّثنا أبو قريش حدَّثنا أبو محمّد نصر بن خلف النيسابوري حدَّثنا يعلى بن عبيد حدَّثنا عبد الرَّحمن بن إسحق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله هو ابن مسعود قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إِلا وسَّع الله عليه في معيشته: يا ذا المنّ ولا يُمنُّ عليك، يا ذا الجلال والإِكرام، يا ذا الطَّوْل لا إِله إِلا أنت، ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتني في أمّ الكتاب عندك شقيًّا فاثمح عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيدًا، وإن كنت كتبتني في أُمّ الكتاب محرومًا مقتّرًا عليَّ رزقي فاثمح عنّي حرماني وتقتير رزقي وأثبتني عندك سعيدًا موفقًا للخير، فإنك تقول في كتابك: { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} انتهى.

قال: فهذا موقوف.

وروي عن أبي حكيمة عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطّاب وهو يطوف بالكعبة يقول: اللَّهمَّ إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتَ عليَّ الشِقوة والذنب والمَقت فامحني وأثبتني في السعادة { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}. انتهى. هكذا رواه حمّاد بن سلمة عن أبي حكيمة وبمعناه رواه هشام الدستوائي عن أبي حكيمة مختصرًا وقال: فإِنَّك تمحو ما تشاء وتُثبت وعندك أمّ الكتاب. انتهى. وأبو حكيمة اسمه عصمة بصري تفرَّد به فإن صحَّ شىء من هذا فمعناه يرجع إلى ما ذكرنا من محو العمل والحال. وتقدير قوله: اللَّهمَّ إن كنت كتبتني أعمل عمل الأشقياء وحالي حال الفقراء برهة من دهري فاثمح ذلك عنّي بإثبات عمل السعداء وحال الأغنياء، والله عل خاتمة أمري سعيدًا موفّقًا للخير فإِنَّك قلت في كتابك: { يمحوا الله ما يشاء} أي من عمل الأشقياء {ويثبت} أي من عمل السعداء ويبدّل ما يشاء من حال الفقر ويثبت ما يشاء من حال الغنى. ثمَّ المحو والإِثبات جميعًا مسطوران في أُمِّ الكتاب. وقد أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو منصور النَضْرُ بي حدَّثنا أحمد بن نجدة حدَّثنا سعيد بن منصور حدَّثنا جرير عن منصور قال: قلت لمجاهد: ما تقول في هذا الدعاء: اللَّهمَّ إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فاثمحه منهم واجعله في السعداء، فقال: حسن. ثم مكثت حولا فسألته عن ذلك فقال:{حم والكتاب المبين إنا أنزلنه في ليلةٍ مبركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمرٍ حكيمٍ} [سورة الدخان]. قال: يفرق في ليلة القدر ما يكون في السّنة من رزق أو مصيبة، فأمَّا كتاب الشقاء والسعادة فإنه ثابت لا يُغيَّر. انتهى. يعني رجع عن قوله الأول إلى الثاني.

أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد حدَّثنا أحمد بن عبيد الله يعني النرسي حدَّثنا عبيد الله بن موسى حدَّثنا ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله عزَّ وجلّ: { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [سورة الرعد]. قال: يريد أمر السماء، يعني في شهر رمضان، فيمحو ما يشاء غير الشقاء والسعادة والموت والحياة. انتهى.

وأخبرنا أبو زكريا أخبرنا أبو الحسن الطرائفي حدَّثنا عثمان بن سعيد حدَّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: { يمحوا الله ما يشاء} يقول: يُبدِّل الله ما يشاء من القرءان فَيَنْسَخُهُ، ً { ويثبت} يقول: يثبت ما يشاء لا يُبدله،{وعنده أم الكتاب} يقول: جملة ذلك عنده في أمّ الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب؛ هذا أصحّ ما قِيل في تأويل هذه الآية وأجراه على الأصول، وعلى مثل ذلك حملها الشافعي رحمه الله ؛ ومن أهل العلم من زعم أَنَّ المراد بالزيادة في العمر نفي الآفات عنه والزيادة في عقله وفهمه وبصيرته. انتهى كلام البيهقي.

فاثنظر أيُّها الطالب الوقوف على الحقيقة وتأمَّل؛ إِنَّ هذه الألفاظ المروية عن قتادة وابن مسعود وعمر وابن عبّاس ليس فيها هذه الكلمات التي اعتادَ الناس قراءتها في ليلة النصف من شعبان إِنَّما المذكور في ذلك بعضُ ما يقرءونه. واعلم أنَّ البيهقي لم يصحِّح شيئًا من هذه الروايات وقد أتى بصيغة التردّد فيما روى عن عمر للدلالة على عدم ثبوته، وترجيحُهُ أن يكون المعنى المراد بالآية الناسخَ والمنسوخَ دليلٌ على أنه لم يثبت عنده ما سوى ذلك. وأنت قد رأيت أنَّ البيهقي لم يعرِّج على الكلمة التي اعتادوها وهي: “اللَّهمَّ أسألك بالتجلّي الأعظم في ليلة النصف من شعبان المكرم التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم” بالمرَّة، بل الصحيح أنَّ تلك الليلة هي ليلة القدر كما يفهم ذلك من قول الله تعالى:{ إنا أنزلنه في ليلةٍ مبركة } [سورة الدخان]. مَعَ قولِهِ: { إنا أنزلنه في ليلة القدر} [سورة القدر].

فلا تكنْ أسيرَ التقليد في غير معنى.

واعلم أنَّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم : “والقدر خيره وشرّه” يعود إلى القدر باعتباره بمعنى المقدور لا التقدير الذي هو صفة أزليّة أبديّة لله.

ويتضمَّن الإِيمانُ برسالة النبيّ الإِيمان بأنّه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيّين لأنّه أخبر بذلك، قال عليه الصلاة والسلام: “وخُتم بي النبيُّون” رواه مسلم.

وقوله بأنَّ سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم سيِّد ولد ءادم أجمعين هذا متفقٌ عليه عند العلماء وهو مأخوذٌ من حديثٍ رواه الترمذيّ: “أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر”، أي لا أقول ذلك افتخارًا إِنَّما أقول تحدّثًا بنعمة الله ، وفي ذلك جواز وصفه بأنّه سيد البشر. ويعرف من ذلك جواز قول: اللَّهمَّ صلِّ على سيدنا محمّد، وإن لم يَرِدْ في حديث الصلاة على النبي إلا قولوا: اللهم صلّ على محمد، لأنَّ هذه زيادة لفظٍ يناسب الأَصل فهو جائز، فقد كان عبد الله بن عمر يزيد في التشهّد (وحده لا شَريكَ له) ويقول: وأنا زدتها، أي أنا زدتُ وحده لا شَريك له؛ رواه أبو داود.