صاحب الجنتين المفتون

15

كثير من الناس يفتنون بالمال وبزينة الحياة الدنيا فيكفرون بالرحمن وينكرون البعث والحساب. وكثير من الناس يسبون خالقهم والعياذ بالله من أجل المال وعروض الدنيا الفانية فيكفرون. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرءان الكريم قصة رجلين أحدهما مؤمن بالله تعالى وبالبعث بعد الموت، والآخر كافر بالله منكر للبعث والحساب، وقد بغى وتكبر وغرته الحياة الدنيا، يقول الله تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (سورة الكهف/ءاية 46).

وقد روي عن قصة هذين الرجلين أنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال، فصار لكل واحد منهما ثلاثة ءالاف دينار، فاشترى المؤمن بالأف الأولى عبيداً وأعتقهم لوجه الله تعالى، وبالألف الثانية ثياباً فكسا العراة، وبالألف الثالثة طعاما فأطعم الجائعين وبنى أيضا مساجد وفعل خيراً كثيراً وأما الآخر وكان كافراً منكراً للبعث والحساب فنكح بماله نساء غنيات، واشترى دواباً وبقراً، فنمت نماء مفرطًا، واتجر بالباقي فربح حتى فاق أهل زمانه ثراء وغنى.

وأدركت الأول الحاجة ولم يعد يملك المال، فأراد أن يستخدم نفسه أجيراً في بستان فقال: لو ذهبت لصاحبي فسألته أن يستخدمني في جنته (أي بستانه) رجاء أن يكون ذلك أصلح لي، فجاء ووصل إليه بصعوبة لكثرة الحجاب على أبوابه، فلما دخل عرفه وسأله حاجته، فقال له شريكه: ألم أكن قاسمتك المال نصفين؟ فما صنعت بمالك؟ فأجابه المؤمن: اشتريت به من الله تعالى ما هو خير منه وأبقى فقال له شريكه القديم وهو يعلن كفره بالله وينكر البعث والحساب ويوم القيامة: أئنك لمن المصدقين؟ ما أظن الساعة قائمة وما أراك إلا سفيهاً وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان، عندئذ قال له المؤمن ما أخبر عنه الله عز وجل (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) (سورة الكهف/ءاية 37). ثم أكد إيمانه فأعلن أمام صاحبه الكافر المتكبر قائلا (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) (سورة الكهف/ءاية 38) أي لكن أنا لا اقول بمقالتك بل أعترف بوجود الله تعالى، وأقر بوحدانيته فهو واحد لا شريك له ولا رب سواه.

وبدأ الرجل المؤمن يهدي النصيحة لصاحبه الكافر ويخوفه وعيد الله تعالى وعذابه، عسى أن يتوب فيؤمن ويعود إلى رشده وصوابه قال الله تعالى مخبراً عن الصاحب المؤمن يعظ صاحبه الكافر (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) (سورة الكهف/ءاية 39-41).

ولم يعتبر صاحب الجنة ولم يتعظ بنصح صاحبه المؤمن بل ظل ساخراً مستهزئاً متكبراً وأنزل الله به العذاب في الدنيا فأذهب جنته وثمارها ودمرها جزاء كفره وفي اليوم التالي جاء الكافر إلى بستانه ليتمتع به كعادته، ولكنها كانت المفاجأة إذ وجده خاوياً محطماً ليس فيه زرع ولا ثمار، فجلس حزينًا متأسفًا على ما أنفق على بستانه من المال ونادماً على إشراكه بربه وخالقه.

قال تعالى (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) (سورة الكهف/ءاية 42) وأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ولم ينفعه ماله وسلطانه ولم يجد له عوناً، قال تعالى (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (سورة الكهف /ءاية 43-44).